المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم على ضوء المرسوم عدد 01 لسنة 3202 والقانون عدد 4 لسنة 5202: نحو قبر اللامركزية
Article By : حسن ضيف الله
مقدمة تُعدّ الجماعات المحلية الأداة الأساسية لتحقيق اللامركزية الإدارية التي تقوم على الاعتراف بوجود أشخاص عمومية مستقلة، تُناط بها اختصاصات إدارية. ويترتب عن هذا الاعتراف، في بُعده الترابي، تمتع هذه الجماعات بالشخصية القانونية وما يستتبعها من حقوق والتزامات، إضافة إلى استقلالية إدارية ومالية. يقوم نظام اللامركزية على هذا العنصر الجوهري، أي الشخصية القانونية، التي تُمكّن الجماعات المحلية من ممارسة مهامها، خلافًا للهياكل اللامحورية التي تظل امتدادًا للسلطة المركزية. ومع ذلك، لا ترقى هذه الجماعات إلى مرتبة الدولة، إذ لا تعبّر عن السيادة، وتبقى مصالحها مندرجة ضمن وحدة الدولة. في هذا السياق، يندرج الفصل الأول من القانون الأساسي عدد 4 لسنة 5202 المؤرخ في 21 مارس 5202 والمتعلق بالمجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم الذي نصّ صراحة على أنه « تعتبر المجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم جماعات محلية تتمتع بالشخصية القانونية والاستقلالية الإدارية والمالية. تعمل هذه المجالس على تحقيق الاندماج الاقتصادي والاجتماعي الشامل والعادل وتتداول في مشاريع مخططات التنمية المحلية والجهوية والإقليمية في إطار وحدة الدولة». غير أن هذا القانون أحدث في الواقع تحوّلًا عميقًا في منطق الجماعات المحلية في تونس بعد أن كانت منظَّمة بصورة دقيقة بمقتضى مجلة الجماعات المحلية لسنة 8102. تعود جذور المؤسسات المحلية في تونس إلى العهد الحسيني (القرن التاسع عشر)، حيث كانت تقوم على أسس دينية ومجتمعية، وتجسدت أساسًا في الخدمات والمشاريع ذات المنفعة الجماعية، ومن أبرزها نظام الأحباس والأوقاف وقد وُجدت آنذاك مؤسسات عمومية مرتبطة بهذا النظام، مثل المدارس القرآنية. كما تجدر الإشارة إلى أن نشأة أول بلدية في تونس تعود إلى سنة 8581 مع إحداث بلدية تونس الحاضرة، التي كان يديرها مجلس يتكون من خمسة عشر عضوًا يعينهم الباي، ويرأسه شيخ المدينة، وهو سلطة ذات طابع ديني. حسب جيرار ماركو (Gérard MARCOU)، بدأت اللامركزية في الظهور في تونس خلال فترة الحماية الفرنسية ابتداءً من سنة 0591، وذلك على مستوى البلديات، استنادًا إلى قانون انتخابي أنهى نظام تعيين أعضاء المجالس البلدية من قبل السلطة المركزية، سواء التونسية أو الفرنسية. غير أن هذا القانون الانتخابي كان تمييزيًا إلى حد كبير مما دفع الحزب الحر الدستوري الجديد إلى مقاطعة انتخابات سنة 3591، وهو ما أدى إلى إحداث النيابات الخصوصية التي تولت إدارة الشأن المحلي، وكان رئيسها يُعيَّن من قبل الباي. وقد استمر هذا النظام الاستثنائي إلى غاية سنة 7591. بعد الاستقلال، أخضع الأمر العلي الصادر في 41 ماي 7591 البلديات إلى وصاية قوية من السلطة المركزية. وكان همّ الدولة التونسية آنذاك يتمثل في توحيد الشعب حول سياسة وطنية واحدة. ومع صدور دستور الجمهورية في 1 جوان 9591، تمّ دسترة نوعين من الجماعات المحلية فقد تضمّن الباب الثامن من هذا الدستور، المعنون بـ«الجماعات المحلية»، فصلا واحدًا ينصّ على أن « تمارس المجالس البلدية والمجالس الجهوية المصالح المحلية حسبما يضبطه القانون». لاحقًا، صدر القانون الأساسي للبلديات سنة 5791، ثم القانون المتعلق بالمجالس الجهوية سنة 9891، غير أن اللامركزية التي كرّستها هذه النصوص بقيت شكليّة، إذ ظلّت هذه المجالس خاضعة لهيمنة السلطة المركزية. بعد الثورة، كانت إعادة بناء اللامركزية الإدارية أحد أبرز انشغالات المختصين. وقد أرسى دستور 72 جانفي 4102 إطارًا متقدمًا للجماعات المحلية، مخصّصًا لها بابًا كاملًا بعنوان «السلطة المحلية»، تضمّن تحديد أصنافها (البلديات، الجهات، الأقاليم) وإقرار مبادئ أساسية مثل مبدأ التدبير الحر، ومبدأ الانتخاب، والسلطة الترتيبية، والاستقلالية المالية، فضلًا عن الرقابة اللاحقة على شرعية أعمالها. وتُوّج هذا المسار سنة 8102 بإصدار مجلة الجماعات المحلية (م.ج.م) التي شكّلت إطارًا قانونيًا شاملًا لتنظيم اللامركزية واعتُبرت « دستورًا صغيرًا» لها، وفي نفس السنة أُجريت أول انتخابات بلدية بعد 1102، مُنهية نظام النيابات الخصوصية. غير أن اللجوء لحالة الاستثناء بناء على الفصل 08 من دستور 4102 أعقبه اتخاذ سلسلة من الإجراءات الاستثنائية، من بينها إقالة الحكومة وتعليق أعمال البرلمان قبل الانتقال إلى تنظيم مؤقت للسلط العمومية وافتتاح مسار تأسيسي جديد بموجب الأمر عدد 711 لسنة 1202 المؤرخ في 22 سبتمبر 1202 ثم تمّ حلّ البرلمان استنادًا إلى الفصل 27 من الدستور ذاته الذي تمّ تعليق أغلب أبوابه. تُوّج المسار التأسيسي المبني على حالة الاستثناء بدستور 52 جويلية 2202 وهو يحمل كما يشير فصله 141 تاريخ إجراء الاستفتاء حوله، لا تاريخ ختمه في إطار حكم الرمزيات الذي تمارسه السلطة منذ 52 جويلية 1202. تبنّى الدستور الجديد رؤية جديدة لللامركزية، إذ نصّ على أربع جماعات محلية وهي المجلس المحلي والمجلس الجهوي ومجلس الإقليم والمجلس البلدي، وذلك ضمن تصوّر يقوم على وظيفة تشريعية ذات غرفتين. ويستند هذا التصور إلى ما يسميه رئيس الجمهورية « البناء الديمقراطي القاعدي»، باعتبار أن الغرفة التشريعية الثانية تنبثق من الأعضاء المنتخبين على مستوى المجالس المحلية عبر التصعيد. وخلال الفترة الفاصلة بين اعتماد دستور 5 جويلية 2202 وانتخاب أعضاء الغرفة التشريعية الأولى، صدرت ثلاثة مراسيم استنادًا إلى الأمر عدد 711 لسنة 1202، تعلقت بتعديل القانون الانتخابي والمجالس البلدية وبقية الجماعات المحلية. فقد أدخل المرسوم عدد 8 لسنة 3202 تعديلًا على القانون الانتخابي فيما يتعلق بالانتخابات البلدية عبر إقرار نظام الاقتراع على الأفراد، مع الإشارة إلى آلية سحب الوكالة المنصوص عليها في المرسوم عدد 55 لسنة 2202 المؤرخ في 51 سبتمبر 2202، جاء المرسوم عدد 9 لسنة 3202 لحلّ جميع المجالس البلدية، في حين تولّى المرسوم عدد 01 لسنة 3202 تنظيم المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم من الناحية الهيكلية. تخضع البلديات إلى اليوم للنظام الاستثنائي الذي أقرّه المرسوم عدد 9 لسنة 3202 والذي بمقتضاه اضطلع الكتاب العامون بتسيير البلدية تحت إشراف الوالي وقد تعدّدت فيما بعد المناشير والمذكرات الصادرة عن وزارة الداخلية لتخضع بعض الأعمال بصفة صريحة إلى مصادقة الوالي ومن ذلك اتخاذ التراتيب العامة حسب المذكرة عدد 71/9901 الصادرة عن وزير الداخلية بتاريخ 41 مارس 3202. أما فيما يخصّ المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم، مناط الدراسة، فقد أشرفت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات على انتخاباتها في غياب تام لصلاحيات واضحة، فالتأم الدور الأول في شهر ديسمبر من سنة 3202 والدور الثاني في شهر فيفري من سنة 4202 بالاستناد أساسا إلى المرسوم عدد 01 لسنة 3202. حريّ بالذكر أن الهيئة قد سعت إلى توضيح الصلاحيات من خلال نشر دليل للمترشحين والناخبين على حدّ السواء وأسّسته على القانون عدد 78 لسنة 4991 المؤرخ في 62 جويلية 4991 المتعلق بإحداث مجالس محلية للتنمية إلا أن هذا القانون يتعلق في حقيقة الأمر بمجالس مُعيّنة، وليست منتخبة، حتى وإن ضمّت أعضاءً من هياكل منتخبة إضافة إلى دورها الاستشاري. لزم الأمر أكثر من سنة حتى صدور القانون الأساسي عدد 4 لسنة 5202 المؤرخ في 21 مارس 5202 المتعلق بالمجالس المحلية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم، وهو قانون لا يتجاوز عشرة فصول ينظّم بصفة مقتضبة جدا صلاحيات هذه المجالس الثلاثة إضافة إلى كونه، في الحقيقة، نصّا هزيلا جدا مقارنة بمجلة الجماعات المحلية مثلا التي نظمت أيضا عمل وتركيبة ثلاث جماعات محلية. في هذا الإطار، يُصبح من المشروع طرح الإشكاليّة التالية: ما هي أهمّ خصائص المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم على ضوء المبادئ الكبرى لللامركزية؟ لئن أخذت هيكلة المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم بمبدأ الانتخاب في المرسوم عدد 01 لسنة 3202 في إطار تصعيدي من المجلس المحلي إلى الغرفة التشريعية الثانية مرورا بالمجلس الجهوي ومجلس الإقليم (I) فإن القانون عدد 4 لسنة 5202 قد حاد في الحقيقة عن المبادئ الأساسية لللامركزية الإدارية من قبيل السلطة التقريرية والاستقلالية المالية وهو ما جعل كل البناء القاعدي قبرا لللامركزية الحقيقية (II).
