جريمة النشر الممنوع

Article By :

المقدّمة
“حرية الصّحافة هي الملاك المُهلك للحريّة”

خُلق الإنسان لكي يكون حُرّا طليقا باسطا جناحيه على العالم مُحلّقا فيه، وقد جاء رمز هذه الحُريّة كنتاج نضال إنساني مستمرّ ضدّ كلّ القيود المسلّطة على حياته ومعاملاته. فكسر المرء كلّ ما يُكبّله من تقاليد وعادات تُمكّن غيره من بني جنسه أن يستعبده أو يمتلكه. فالإنسان يتوق أن يسري في دربه مالكا أصليّا لحياته ومسيطرا على قراراته وأفعاله.

ورغم أنّه من أهمّ الحقوق المكتسبة الحقّ في المعلومة إلّا أنّ القول بأنّ حريّة الفرد لا ينبغي أن تكون مطلقة أمر بديهيّ. ومن ذلك جاءت فكرة بعث القوانين كتلك المنظّمة لمهنة الصّحافة من ذلك مجلّة الصّحافة التونسية الملغاة بالمرسوم عدد 511 لسنة 1102 والذّي نظّم جريمة النّشر الممنوع في فصوله الممتدّة من الفصل 06 إلى الفصل 76 والذّي تمثّل دوره في حماية الحياة الخاصة ووقاية الفئات المستضعفة التّي لا تسمح لها طبيعتها بالدّفاع عن نفسها. فالصحافة وإن كانت أداة نقل الأخبار ووسيلة لكشف المستور إلّا أنّ الأمر يستدعي تأطيرها.

“وتعتبر جريمة النّشر الممنوع جريمة صحفيّة والتّي تُعرّف على أنّها جرم يستدعي ارتكابه عنصر علانيّة يمكن ألا يتحقّق عن طريق الصّحافة أو الكتابة وحسب وإنّما عن طريق أي نمط آخر من النّشر كإذاعة، تلفزيون، أسطوانة، شريط سينمائي. وبالتّالي ورغم عدم وجود تعريف قانوني لجريمة النّشر الممنوع فإنّه يمكن تعريفها على أنّها السّلوك أو الفعل الصحفي النّاتج عن صحفي في إطار مهنته والقائم على نقل خبر بأي وسيلة كانت يمنع القانون إبلاغه للعموم.

ورغم نشأة مرسوم الصّحافة والطّباعة والنّشر منذ حوالي 41 سنة في حالة اعتبرت مستعجلة وسريعة، إلاّ أنّ هذا النصّ لم يتعرّض لأي محاولة تنقيح أو تعديل أو حتّى إيضاح، بل الأخطر لحقته قواعد قانونيّة تنافسه على المستوى التّطبيقي حيث تتنزّل في إطار “نشر ممنوع” في حين أنّ جُرم النّشر الغير مباح منظّم في القسم الثّالث من الباب الخامس لمرسوم حرية الصحافة والطّباعة والنّشر لسنة 1102 وموجّه إلى ممتهني العمل الصحفي دون غيرهم.

وفي ظلّ إعطاء هذه الجريمة الصحفيّة أهميّة تشريعية من ناحية وغياب تمييزها من الجرائم المشابهة لها من ناحية أخرى، يستوجب الأمر التساؤل فيما تتجلّى خصوصيّة جريمة النّشر الممنوع؟

للإجابة عن هذه الإشكالية ونظرا لميزات هذه الجريمة الصحفيّة في القانون التّونسي، يجب الوقوف على تضييق المشرّع لنطاق تجريم النّشر الممنوع من ناحية (I) وعلى ما عرفته هذه الجريمة من تشديد على مستوى النّظام العقابي من ناحية أخرى (II).