تنفيذ قرارات المحكمة الإدارية
Article By : أسامة الخزامي
في الفترة الممتدة بين 5791، تاريخ بداية العمل الفعلي للمحكمة الإدارية، وسنة 4002 وقع إحصاء 106 قرار تناولت فيها المحكمة الإدارية مسألة امتناع الإدارة عن تنفيذ الأحكام القضائية. والإمساك أو الامتناع عن تنفيذ أحكام القضاء الإداري يعتبر معضلة للكثير من الدول حتى في الديمقراطيات العريقة، إذ يشكل عدم تنفيذ الأحكام القضائية عائقا كبيرا. ففي فرنسا مثلا وحتى بدخول قانون عدد 61 لسنة 0891 حيز التنفيذ، إلا أنه بقي غير مفعل. مما دفع برئيس الحكومة الفرنسي ميشال روكار إلى إصدار منشور موجه إلى أعضاء حكومته في 31 أكتوبر 8891, حثهم فيه على احترام وتنفيذ الأحكام القضائية. هذه الأمثلة تبرز أن التداول على السلطة وخصوصا عدم استمرارية الحكومات أو الاستقرار الحكومي ينعكس سلبا في الكثير من الأحيان على حسن تسيير الإدارة ونجاعة العمل الإداري، مما يرتب أثارا على تنفيذ الأحكام الصادرة ضد الإدارة. هل يترجم كل هذا الإمساك أن النصوص القانونية محكومة بالواقع السياسي؟ أم أنه من أهم أسباب هذه المعضلة سلبيات النظام المغلق في القانون المتعلق بالوظيفة العمومية الذي يتسم بالجمود؟ يشكل القضاء الإداري لا محالة أحد الموضوعات الأساسية للقانون الإداري الذي لا يقتصر على تنظيم الإدارة ونشاطها فحسب ؤبل يحكم كذلك جوانب عدة في المنازعات التي تنشأ بين الإدارة والأفراد. على ضوء ذلك، يمكن تعريف القانون الإداري بكونه القانون الذي يختص بالمنازعات الإدارية أي المنازعات التي تكون الإدارة طرفا فيها. وتستعمل عبارة القضاء الإداري في الأنظمة التي بها قانون إداري مستقل عن القانون الخاص للدلالة على القضاء المتخصص في المنازعات الإدارية باعتبارها منازعات خاضعة للقانون الإداري. وفي النظام القانوني التونسي، القضاء الإداري هو القضاء الذي ينظر في المنازعات الإدارية باعتبارها منازعات خاضعة مبدئيا للقانون الإداري وليس للقانون الخاص. اذ يجمع فقهاء القانون العام على أنه يمكن القول بأن هناك مفهومين للقضاء الإداري: مفهوم عضوي، مفهوم وظيفي. وحسب المفهوم العضوي، فإن القضاء الإداري يعني المحاكم التي تنظر في المنازعات الإدارية. ويتجسد القضاء الإداري على وجه الخصوص في مؤسسة المحكمة الإدارية بما تشمله هذه المحكمة من هياكل ومن قضاة. وبصورة عامة يتجسد القضاء الإداري عضويا في جهة القضاء الإداري. أما حسب المعيار الوظيفي فإن القضاء الإداري يعني القضاء الذي يفصل في المنازعات الإدارية. وكان للدور الإنشائي للقاضي الإداري وفقه قضاء المحكمة الإدارية دور كبير في صياغة أحكام دستور 4102 . فالفقرة الثانية من الفصل 611 من دستور 4102 تنص على أنه: ” يختص القضاء الإداري بالنظر في تجاوز الإدارة سلطتها وفي النزاعات الإدارية ويمارس وظيفة استشارية طبق القانون “. أيضا للقضاء الإداري دور في وضع القواعد العامة للمشروعية القانونية مع التوفيق بين مقتضيات المصلحة العامة وحقوق وحريات الأفراد. وللتذكير فان تونس أخذت انطلاقا منذ دستور 1جوان 9591 وبصورة عملية انطلاقا من اعتماد القانون عدد 04 لسنة 2791 المؤرخ في 1 جوان 2791 المتعلق بالمحكمة الإدارية بالازدواجية القضائية التي وضعت جهة القضاء العدلي التي على رأسها محكمة التعقيب في مقابل جهة القضاء الإداري المتمثلة في المحكمة الإدارية. وفي اتجاه دعم القضاء الإداري الذي بقي بناءه الهيكلي منقوصا، إذ أن جهة القضاء الإداري جاءت منحصرة في المحكمة الإدارية المركزة في العاصمة، وبعد عقود من التمركز، وقع إحداث بعض الدوائر الابتدائية بالمحكمة الإدارية ببعض الولايات. جاء دستور 72 جانفي 4102 بتصور جديد للقضاء الإداري من حيث تنظيمه على أساس إعادة هيكلته ليكون مكتمل البنيان. إذ أصبح القضاء الإداري يتكون من محاكم إدارية ابتدائية واستئنافية. وتكون للمحكمة الإدارية العليا بذلك صفة هرم القضاء الإداري مثلما نص على ذلك الفصل 611 من دستور 4102 في فقرته الأولى: ” يتكون القضاء الإداري من محكمة إدارية عليا، ومحاكم إدارية ابتدائية واستئنافية”. لكن في مقابل كل هاته الأحكام الدستورية نلحظ غياب تنصيص صريح على تنفيذ الأحكام الإدارية وعدم تكريسه ضمن مقتضيات فصول الدستور ممّا يعتبر تقصيرا في ضمان حق المتقاضي. وبالتالي يتّجه التساؤل إلى أي مدى يمكن الإقرار بتنفيذ قرارات المحكمة الإدارية؟ لقد وقع التأكيد في شرح أسباب “مشروع مجلة القضاء الإداري” على حرص المحكمة من خلال هذا المشروع على ضمان إرساء عدالة سريعة بالاعتماد على إجراءات واضحة ودقيقة متيسرة، مع السعي الى تطوير أساليب العمل والارتقاء بجودة القضاء الإداري والاستفادة من الحلول التي توفرها الوسائل الالكترونية في تيسير الولوج للقضاء. وبالتالي فإن إدراج تعزيز آليات تنفيذ أحكام القضاء الإداري في العنوان التاسع صلب “مشروع مجلة القضاء الإداري” يعتبر تكملة في تأصيل الحق في تنفيذ الأحكام الإدارية ضمانا لحق التقاضي. إذ أن إيصال الحقوق الى أصحابها يقتضي ضرورة أن تكون الاحكام القضائية متضمنة لشروط دقيقة تؤكد إلزامية التنفيذ حتى تتأكد الصبغة الإلزامية للأحكام الصادرة عن المحكمة الإدارية. حيث وانطلاقا من هذا التوجه تنقسم خطة البحث إلى محورين رئيسين: الأول يتناول غياب إطار تشريعي صريح لتنفيذ قرارات المحكمة الإدارية، بين ما ورد في النصوص الدستورية وما هو موجود في الواقع. أما المحور الثاني فيعالج الفراغ التشريعي وثقافة الإفلات من التنفيذ كأزمة تهدد ركائز دولة القانون.
